شبكة خدام الحسين عليه السلام الثقافية


خدمة أهل البيت توفيق إلهي ينبغي الحفاظ عليها

العودة   شبكة خدام الحسين عليه السلام الثقافية > القسم الرسالي > شخصيات خلدها التاريخ > خدام الحسين عليه السلام

خدام الحسين عليه السلام قال الامام الصادق(ع):احيوا امرنا رحم الله من احيا امرنا.

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
قديم 08-11-2010, 11:47 AM   #1

خادمة الشهيد

مشرفة قسم السمعيات والبصريات
 
الصورة الرمزية خادمة الشهيد
 





Smile طقوس رمضان في مدينة كربلاء

يتّسم هذا الشهر بالطابع الديني والفولكلوري المتميز في هذه المدينة. ونحن لا نهدف في هذا البحث غير إبرز معالم صورته للإفادة والاستمتاع، فهو شهر الصيام والقيام والإطعام والتسبيح والمروءة والفتوة، وقيل بأنّ رمضان في الأيّام، كالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الأنام.
وقبل شهر رمضان بأيّام معدودات يستعد الناس لشراء المواد الغذائية الخاصة بالشهر، كالطحين والتمن والدهن والهيل وغيرها، وتعرف بـ (الكَيْل)، ويزداد عليها الشراء والطلب في رمضان، وإلى ذلك يُضرب المثل المعروف (چدّ الدهر، واكله ابشهر). وقد تكون الحاجات التقليدية اليومية لأيام رمضان ولياليه قد وصلت إلى حوانيت العطارين والبقالين والشكرچية، فتنتعش حركة السوق في الأيّام الأخيرة من شهر شعبان انتعاشاً يخالف الأيّام الأخرى. وفي هذه الأيّام بالذات نسمع من على مآذن الروضتين الحسينية والعباسية عبارات تهليلية للسيد حسن الجهرمي والشيخ جواد المؤذّن والسيد أمين، يرحّبون بمَقْدم الشهر بعد أذان الغروب وأذان الفجر، ومنها: (مرحباً بك يا شهر رمضان، مرحباً بك يا شهر الطاعة والغفران.. مرحباً يا شهر الخير والبركة... إلخ).
وهناك عادة متوارثة تقوم بها معظم العوائل الكربلائية وهي التَّسابيگ (= التَّسابيق) أي الصوم ليوم واحد أو ثلاثة أيّام في أواخر شهر شعبان استعداداً للشهر المبارك. وفي مساء يوم 30 شعبان يصعد الناس على سطوح المنازل والمساجد والمرتفعات العالية لمراقبة هلال رمضان، وبعد التأكد من ظهوره يعلنون البشرى ببدء الصوم. وفي الليالي الأُولى من هذا الشهر ترى الباعة على امتداد الأرصفة والأماكن العامة يعرضون المعروضات (البَسْطات)، وفي مقدمتهم باعة البقلاوة والزلابية وشَعر البنات والباميا السكّرية ومَنَّ السما والحُلقوم وكَعب الغزال والملبَّس والرگاك وتاج الملك والمُحَلّبي. وتُسمع من المتجول (البَسته) التي يرددها الأطفال في الأزقة والحارات:
زلابيه وبقلاوه وشَعَر بنات
وين أوَلّي وين أبات
أبات بالدربونه
لَمن تجي الخاتونه
وتُمَدّ الموائد وعليها صحون الحلويات بأشكالها المختلفة وصحون المحلّبي على امتداد أرصفة الشوارع أو دكّات الدكاكين المغلقة، وقد تكون في جانب بعض المقاهي لأنها تُغلق في النهار، وبالليل يباع المحلّبي.
وخلال الحرب العالمية الثانية وما بعدها قلَّ وجود السكّر في الأسواق، وكاد ينعدم، مما اضطُر أصحاب الحوانيت عمل الزلابية والبقلاوة بواسطة الدبس، أي شيرة الدبس. ولابد من الإشارة أنّ الزلابية كانت تُعمل على نوعين: 1 ـ ذات الدهن الحر، وكان سعر الكيلو منها 64 فلساً، 2 ـ ذات دهن السمسم، وسعر الكيلو منها 50 فلساً، كان ذلك في حدود سنة 1948 وحتّى بداية الخمسينات.

* * *
وقبيل وقت السحور بفترة أمدُها ساعة واحدة أو أكثر، يطوف (المسحراتي) أي الطبال ليدق على صفيحة فارغة (تنكه) منبّهاً النائمين وموقظاً إياهم، ثمّ تطورت هذه العملية بالضرب على الطبل بدلاً من الصفيحة، وذلك استعداداً للسحور في كل ليلة من ليالي رمضان، وهذا التقليد من العادات القديمة المتوارثة حتّى يومنا هذا، وضربات المسحراتي بطبله يدويّ في سكون الليل منادياً (اگعدوا يالصايمين اكعدوا اتسحّروا). وفي هذا الوقت نسمع التمجيد مِن على المآذن، وهو دعاء يتلوه المؤذن بأطوار مختلفة وألحان شجية مؤثرة، داعياً ومذكّراً ومحرّضاً على السحور، فتستعد النسوة لطبخ التمن والمرق، ومنهن من أعدت طبخ الطعام منذ الإفطار اختصاراً للوقت.
وبعد أن ينهض أفراد العائلة جميعاً ـ عدا الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم ـ يجلسون حول المائدة لتناول التمن والمرق والخبز، أو يشربون الشاي، ويتناولون الفواكه. بعدها يقرأون دعاء البهاء وأوّله: (اللّهمّ إنّي أسألك مِن بهائك بأبهاه) والأدعية الخاصة بالسحور الأخرى.
وقبيل أذان الفجر بعشرين دقيقة، نسمع مناجاة المؤذّن، وكانت تؤلّف أبياتاً من القريض خصيصاً لهذه المناسبة، وهي:

إشــربِ المـاءَ هنـيـئاً يا مُـحـبْواجْـرِ دمـعَ العـيـنِ حُزناً وانتَحِبْلـحسـينِ السِّـبـطِ في جَنبِ الفراتْمـات عـطشـاناً شـهـيـداً مُحتسِبْإشــربِــت الــمـاء هـنـيـئـاًإنّـــه مـــاءٌ مُـــبـــــاحْاشـربِ الـمـاء هنـيـئـاً بـسـلامْواذكُـر الـمقـتـول مِـن جَور اللئامْسبـط طـه المـصطفـى خـير الأنامْقـد بـقـي ثـاوٍ عـلى وجـه الرُّغامْأيّها المذنب تُبْ لله إن شئـتَ الـنجـاةْحيث يُعطيكَ جِنانَ الخُلدِ أعلى الدرجاتْفـهنـيئاً لـك يـا صائمُ نِلتَ الحَسَناتْيَتقبّلْ منك هذا الـصـومَ ربُّ الكـائناتْ
ثمّ يكررها عدة مرات، أو يتلو غير هذه الأبيات، ثمّ يسرع أفراد العائلة إلى شرب الماء قبل أن يُعلَن عن الأمساك، وقبل أذان الفجر بدقائق يمتنع الجميع عن تناول الطعام والشراب، بينما نسمع المؤذن ينادي: (إمساك.. إمساك.. غفرَ الله لكم يا صائمين). وهنا يشرع المؤذن بالأذان، وينهض الصائمون لتأدية صلاة الصبح، سواء في البيت أو في مسجد قريب من الدار. كما يقصد البعض إحدى الروضتين (الحسينية والعباسية) للحصول على الأجر والثواب، وخاصة الذين لا يستطيعون النوم في ذلك الوقت، ومنهم من يخرج إلى عمله مبكراً.

* * *
تصطف على مائدة الإفطار قبل أذان المغرب بربع ساعة الأكلات الشعبية التالية: شوربة العدس. حلاوة طحين حنطة. حلاوة طحين تمن. حلاوة نشه. دولمه. كباب شامي. كباب مشوي. باذنجان مشوي. كبّة حلب. المصقعة (1).
وفي الوقت الحاضر أُضيفت أكلات جديدة هي:
چل فراي. مخلمة. حلاوة شعرية. إضافة إلى ذلك فهنالك بعض الشرابت منها: شربت تمر هند، وشربت ماء الرمان، وشربت السكنجبيل، وكذلك الخيار واللبن.
وعندما يبدأ المؤذن بالأذان، يشرع الصائم بالفطور أولاً بشرب ماءٍ ساخن يسمّى (قنداغ)، وقليل من الحساء (الشوربه) أو قليل من التمر. وقبل تناول أي نوع من الأطعمة يقرأ دعاء الإفطار المشهور (اللهمّ لك صُمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ، وعليك توكّلت، ولصوم غدٍ نَوَيتُ).
ومن الظواهر التي كانت في كربلاء أنّ التمن والمرق لا يُؤكلان وقت الإفطار، وأنّ أكلهما وقت السحور. وبعض الناس يتناولون فطوراً خفيفاً ويجعلون السحور الوجبة الرئيسية. ومن بين الأكلات التي لا تؤكل إلا قليلاً جداً في هذا الشهر السمك، لانه يسبب العطش، وكذلك الهريسة (2).
وبعد الصلاة يقرأ الصائم دعاء (الافتتاح) ويطلق على تسميته أيضاً دعاء العشاء، حيث يُقرأ في كل ليلة في المساجد والمشاهد المقدسة عن طريق مكبّرات الصوت في الوقت الحاضر، وأوله: (اللهمّ إني أفتتح الثناءَ بحمدك...)، كما يُتلى القرآن أيضاً.
وتظل المساجد الصغيرة والكبيرة في رمضان مفتوحة إلى السحور، وتضاء داخلها كما تضاء المآذن أيضاً. وفي أماسي هذا الشهر تُعقد مجالس الوعظ والإرشاد، وتفتح أبواب الدواوين، ويزداد التزاور، فالزائرون لم يكتفوا بزيارة دواوين محلاتهم في حاراتهم فحسب، بل يتزاورون من بيت إلى بيت.
وقد جرت العادة في تلك الأيّام أن يتبادل الأهالي الدعوات على طعام الإفطار بغية الحصول على الأجر والثواب. أما أهل البساتين فإنَّ الغالب منهم يتبادلون الزيارات من بستان إلى أخرى لزيارة الأقارب والمعارف في المدينة. أمّا اليوم فقد أخذت تلك العادة تنقرض لأسباب عدة. ومن الناس من يزور الأضرحة المقدسة ثمّ يعود إلى مقر عمله. وتدور في هذه المجالس أحاديث وحكايات وقصص وقضايا الساعة والمجتمع، فهناك مجالس تتكلم في الأدب والفكر وأخرى في الدين والتاريخ وفي شؤون الحياة المختلفة، ومحور الحديث في كل هذه المجالس أهمية الصوم وأبعاده وفوائده، فهو من الناحية الاجتماعية يعوّد الصائم على ترك العادات الضارة التي تفكّك الأخلاق والمجتمع. فالصائم لا ينظر إلى عورات الناس، ويتودّد إلى ذوي القربى، ويتصدق على اليتامى وأبناء السبيل، ويساعد المعوزين ويعطف عليهم، ويتفقد المرضى والأيتام والأرامل، وغيرها ذلك من أنواع البر والصدقات، مما يرفّه عن الفقير ويدخل السرور إلى قلبه. وهذه الواجبات فرضها الإسلام على الصائمين، كما إنها تعزّز الروابط الاجتماعية بين أفراد الناس، وبذا تتحقق الوحدة الاجتماعية بالمحبة والمودة وتبادل المنافع.

* * *
وهناك مجالس أفراح ومسرات، ومجالس للعزاء (الحسيني) تقيمها الأُسر والبيوتات الكربلائية في الدواوين، فلا تخلو محلة من المحلات والأماكن المقدسة منها. ومن أشهر تلك المجالس هي التي تُعقد في ديوان السادة آل النقيب، وديوان السادة آل الرشدي، وديوان السيّد صالح السيّد سليمان آل طعمة، وديوان السيّد عليّ الأحمد آل نصر الله، وديوان السيّد عبدالوهّاب آل طعمة حاكم كربلاء وسادن الروضتين، وديوان السيّد محمّد مهدي بحر العلوم وزير المعارف الأسبق، وديوان السيّد عبدالحسين الدّده، وديوان السادة آل طعمه سدنة الروضة الحسينية. وديوان السادة آل ضياء الدين سدنة الروضة العباسية، وديوان السادة آل ثابت، وديوان السيّد مصطفى الشروفي آل طعمه نائب سادن الروضة الحسينية وولده السيّد سعيد الشروفي، وديوان السيّد عبدالحسين السر خدمة آل طعمه مدير الأوقاف، وديوان الحاج محمّد رشيد الصافي، وديوان آل عوّاد، وديوان الحاج علوان الجار الله رئيس عشيرة بني سعد، وديوان عشيرة الوزون برئاسة الشيخ عمر العلوان وشقيقه عثمان العلوان، وديوان الحاج حسن الشهيّب وولده الشيخ محمّد والد الوجيه الحاج إبراهيم الشهيب، وديوان الشاعر السياسي الحاج عبدالمهدي الحافظ ، وديوان الشيخ طليفح الحسّون رئيس عشيرة النصاروه، وديوان الشيخ گمر النايف رئيس عشيرة السلالمة، وديوان السادة آل الشهرستاني، وغيرها.
وهناك مجالس للعلماء الأعلام لا تخلو من الفوائد والفرائد هي محافل عامرة بأطرف الأحاديث وأمتع المناقشات، حيث تُلقى الخطب الرنانة في فضائل الشهر المبارك.
ومن بين تلك المجالس الكبيرة التي تعقد في المدينة المجلس المقام في ساحة الإمام عليّ (ساحة البُلوش قديماً) من قبل سوّاق سيارات الأجرة، ومجلس باب قبلةِ العبّاس، والمجلس المنعقد في الصحن الحسيني، والمجلس المنعقد في الصحن العباسي. بالاضافة إلى المجالس الأدبية التي تعقد في منتديات كربلاء، وتدور بين روادها الأحاديث الرمضانية الشيّقة وإلقاء الشعر فيها، حيث إنّ النوادر النثرية والنكات الشعرية يكون مجالها أوسع، وشذاها أضوع.

* * *
وتقام مجالس التعزية (القرايات = القراءات)، وهي ذات أعمال صالحة تمهد للناس العمل بموجبها والالتزام بها، والغاية منها الحصول على الثواب. وفي المجالس المذكورة أيضاً يُنظم الشعر ارتجالاً ويتبارى الشعراء بالمطارحات الشعرية، فنسمع شعراً مطبوعاً وأدباً رقيقاً وعواطفَ ملتهبة وشعوراً سامياً، ونلمس نَفْساً وثابة وروحاً طموحة. وتدور المداعبات والطُّرَف والتندر، ويتم تسجيل الحوادث التاريخية والأدبية، وتتناشد الأشعار الرقيقة، وفيها جِمام النفس وغذاء الروح؛ لما لهذه اللقاءات الفكرية من أثر في التوجيه والإصلاح الذي نحن بأمسّ الحاجة إليه.
ومن طريف ما حدث أنّ المرحوم الشيخ موسى الأصفر المتوفى سنة 1289هـ، وهو من شعراء كربلاء المعمَّرين المعروفين بعمق التفكير وسرعة البديهة، وكان في مجلس العالم الفاضل السيّد عليّ نقي الطباطبائي النادرة التالية مخاطباً السيّد بأبيات يستفتيه بأنه: هل يصوم المفلس في رمضان أم لا ؟ فقال:

مـسألـة أتـعـبنـي حـلُّهاوأنـت فـيـها سيـدي أخبَرُرمضانُ شهرٌ جاءنا مُسـرعاًيصومه المـفلس أم يُفطـرُ ؟
وكان مجلس السيّد حاشداً بعِلْية القوم من الأدباء وأهل الفضل يحتضن نخبة صالحة من رجال العلم والأدب وهواة الشعر، وكان من جملة من يرتاده الشيخ محسن الخضري المتوفى سنة 1245هـ، فارتجل مجيباً الشيخَ موسى نيابة عن السيد قائلاً:

رمضان شهرٌ واجبٌ صـومُهُوغير ذاتِ الـعـذر لا يُعذَرُالصوم إمساك وكـفٌّ، ومَنأفـلس فـي إحرازه أجـدَرُ
ومن المساجلات الأدبية والطرائف الواردة في شهر رمضان أنّه كتب بعضهم هذين البيتين إلى الخطيب الشاعر السيّد جواد الهندي:

تحمّل شهر الصوم عنا فأفطرنا فما بالنا عن نيل وصلكمُ صمناوكنّا به في عيشة ذات بهـجةوإنّا لَنرجو أن نعود كـما كنّا
فأجابه السيّد جواد:

أأحبابَنا تِهْتُمْ بمـا نـحـن أضمرناوهجـتم لمـا فـي لبّة القلب أسكنّافلا تزعموا أنّا نـسِيـنـا عهـودكمومـجمـعنا للأنس مذ نحن أفطرناولكنـما الأيّـام لازال شـأنـهـاتقـرّب ما يُـشجي وتُـبعد ما يهنىأما وليالي الوصـل فالقلب لم يصمولو أننا والطَّرف من وصلكم صُمنافـلا يُبعـدنّ الله ساعـاتِ وصلكمفمهمـا أتـانا أمركم نحـوكم سِرْنانفوز بـكم فـي عيشة ذات بهجةوأنـتم كـما كنتم ونـحـن كما كنّا
ومن المميزات التي تتسم بها هذه المجالس ما كان يدور بين رجال الدين من سادة وشيوخ، الذين يتربعون في طوارم الصحن الحسيني الشريف، وكانت عملية نقد للسلطة الحاكمة آنذاك.
وكانت تشجع تلك الحلقات النقاشَ الجدلي في أواوين الصحن والمساجد، كما كانت تقام الصلاة في المساجد وفي البيوت، ثمّ ترتفع أصوات القرّاء وتلاوة القرآن الكريم بتلاوة شجيّة جليلة.
حتّى الشباب والأطفال يجمعهم شهر رمضان على الوئام والمحبة، فالأطفال يجتمعون في الساحات العامة للعب بعض الألعاب المسلّية، والشباب يختلفون إلى مجالس لعبة (المحيبِس) التي تُمارَس في الحارات والأزقة والمقاهي وفي البيوت أيضاً.
وما دمنا بصدد الحديث عن الوقت الذي يُمضيه الشباب، فإنّ قسماً منهم كان يرتاد (الزُّورخانه) (3) للقيام بالألعاب الرياضية.

* * *
وفي ليلة الخامس عشر من شهر رمضان التي تصادف مولد الإمام الحسن تُعقد المحافل في معظم المساجد والبيوت وفي الصحنين المطهرين، كما تقام معالم الزينة في شوارع المدينة وأسواقها. أما الكسبة وكثير من أهل الأصناف وأصحاب المعامل وخاصة (القندرجيّة) صانعي الأحذية، فإن معظمهم كان يشتغل في الليل لينام في النهار.
ومن الصائمين من كان يمارس أعمالاً دينية، نذكر منها زيارة العتبات المقدسة، وإعطاء الخيرات والمبرّات في كل ليلة من ليالي رمضان وخاصة في ليالي القدر والجُمع. فقد كانت الصواني الحافلة بأطايب الطعام تُحمل إلى دور الفقراء وتوزع على أبناء السبيل. ويتم (حمل القرائين أي المصاحف) في مرقد الإمام الحسين عليه السّلام ومرقد أخيه العباس عليه السّلام وفي المساجد والبيوت. ويتم إعطاء ختمات قرآن من قبل الأسر على أرواح الوالدين والفقيد العزيز لقاء أجور معينة يُتّفق بشأنها مع خاتم القرآن ما بين ثلاثة دنانير أو دينارين لكل ختمة واحدة.
أما مجالس التجويد فهي كثيرة وتعقد في الغالب في المقابر المحيطة بالصحن وأبرز المساجد، وهي حلقات لقراءة القرآن وتعليم التجويد وقواعده. ومن المختصين بعلم التجويد وقواعده الحاج عبدالله والحاج محمّد حسين الكاتب والسيّد محمّد حسن السيف والملا حمود النجار وغيرهم، وهم يستمعون لكل قارئ ويصلّحون أخطاءه. وفي كل ليلة تقرأ سورة كاملة من قبل الجالسين، ثمّ يختم القرآن ليلة العيد، فيوزع ماء الورد والبقلاوة والزلابية والشربت (العصير)، وتجلب من البيوت الصواني التي تحتوي على البخور والشموع الموقدة نذراً لخاتمي القرآن، وذلك من أصحاب المحافل. كما توزّع كتب خاصة بالمناسبة كالقرآن الكريم، والصحيفة السجادية، وهداية المستفيد في علم التجويد، وغيرها.
وتقوم محافل ختمة القرآن الخاصة بالنساء في أيّام شهر رمضان نهاراً، وتكون المراسيم نفسها التي تطبق في مجالس الرجال عدا الأكل.
وفي رمضان تكون حركة المرور في النهار بطيئة مقابل الحركة الشديدة في الليل. وهناك عادة استُحدثت في السنوات الأخيرة، وهي السفر إلى سامراء بعد صلاة الظهر من كل يوم من أيّام رمضان والعودة إلى كربلاء في منتصف الليل من قبل السحور بساعة تقريباً.

* * *
وهناك مجالس خاصة للإفطار تقيمها بعض الأسر الموسرة بمثابة خيرات. ومن المميزات الخاصة بليالي القدر أن الناس يسهرون حتّى الصباح، وفيها يتوافد الزوّار على المدينة لزيارة العتبات المقدسة، ثمّ يتوجهون إلى النجف، حيث تصادف ذكرى استشهاد الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام (4). ولهذه الليلة طقوس خاصة، منها أن التجّار يوزّعون كيلوّين لحم وكيلوّين تمن وكيلوّين دهن على كلّ واحد من الفقراء. كما يوزع البعض نقوداً، وتوزع كميات كبيرة من الأطعمة والفواكه، وذلك في الصحنين المطهرين والمساجد. أو ترسل إلى بيوت بعض الأسر الفقيرة أو في أي مكان آخر، وغالباً ما تُوزّع بطاقات خاصّة تُعرف بـ (التكتات) على الفقراء كيما يستطيع هؤلاء شراء الخبز بواسطتها، ولعلهم استندوا إلى الحديث النبوي الشريف: «أيها الناس، من أفطر منكم صائماً في هذا الشهر كان له عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه»، وبذلك يكسب المتبرّع أجراً كبيراً.
وفي ليالي القدر يتلو الناس القرآن ويدعو الله كثيراً، كما يُعقد مجلس حاشد في دار الأميرة الهندية تاج دار باهو في محلة باب الطاق بعد الإفطار يتناول فيه الناس الشاي والحليب، ويقرأ بعض أفراد الجالية الهندية مجلس تعزية وأشعاراً بلغتهم. وفي الليلة الأخيرة من ليالي القدر التي تصادف شهادة الإمام عليّ عليه السّلام يخرج موكب للعزاء يحمل مثالاً لنعش الإمام مغطّى بعمامة خضراء، ثمّ يطوف الموكب شوارع المدينة وساحاتها ماراً بالروضتين وينتهي بالدار، حيث يتناول الأفراد الزلابية والبقلاوة. ومن البديهي أن الواردات التي تُصرف على هذا المأتم والمآتم الأخرى التي تقام عدا شهر رمضان هو من أملاك الأميرة الهندية تُرسل إلى وكلائها للانفاق على ذلك.

* * *
وهناك ظاهرة الحر الشديد، فقد كان رمضان يمر في السنين الخوالي بموسم الصيف، فلم يطق الصائم صبراً، مما يُضطر البعض الخروج إلى نهر الحسينية وقت العصر، فيدخل جسمه (يغطسه) إلى حد الرقبة في النهر أو في أحواض البيوت لحين وقت أذان المغرب. وكان الناس قديماً يملأون جرارهم (الشِّراب الخزفية) ويضعونها فوق سطوح المنازل (الستائر) حتّى يبرد ماؤها لحين الإفطار. ولما لم يكن الماء بارداً فإن (المشربة) كانت تُدلّى في البئر أحياناً لحين وقت الإفطار حتّى يبرد ماؤها، وكذلك هو الحال بالنسبة للفواكه، فالرقي والبطيخ والخيار مثلاً يتدلى بواسطة الزنبيل في البئر أيضاً، ولا تخلو البيوت يومذاك من الآبار، والناس ينهمكون بأعمالهم في السوق، وإنهم يبللون الأُزر (الوزرات) ويضعونها على رؤوسهم اتقاء الحر الشديد. وقد وصف الشاعر الكربلائي الشيخ محمّد حسن أبو المحاسن (ت 1344 هـ / 1924م) يوماً من أيّام شهر رمضان في كربلاء شديد الحر:

ويومٍ كـظـل الرمح بين نفوسناوبين الظما والجـوع فيه عراكُوقد وقفت شمس النهار، فما لهاوما لجسوم الصائمين حَراكُ (5)
أما إذا صادف شهر رمضان في الشتاء، فإن الشباب يرتاد الحمامات ليلاً ويقضي فيها ساعات طوالاً.

* * *
أما ليلة (اليتيمه) وهي تطلق على ليلة الجمعة الأخيرة من هذا الشهر فتكون المدينة ملأى بالناس والزوار، وهي أشبه بليلة القدر. ولم تمض أيّام معدودات حتّى يستعد الناس لشراء ما يطلبونه لأيام العيد من الحناء والكليچه والملبّس واللقم والحلويات بأشكالها، فتجد حوانيت الشكرجية قد تجمهر عليها الناس لشراء الحلويّات والشكرات، وكذلك الحال عند الحلاقين إذ تجدهم قد استعدوا لاستقبال الزبائن، فلم تجد في محلاتهم وصالوناتهم مكاناً إلا واحتلوه، وكل زبون ينتظر دوره، فالحلاق وصنّاعه في شغل شاغل بحلاقة رؤوس الصبيان والأطفال ورؤوس وذقون الكهول والشيوخ. وتجد الخياطين يسهرون الليالي من أجل إنجاز خياطة ملابس و (دشاديش) الناس سواء كانوا مدنيين أو عسكريين. وكثيراً ما نجد الأطفال والصبية ينتظرون حتّى ساعات متأخرة من الليل للحصول على ملابسهم التي أعدوها ليوم العيد. وكذلك الخياطات فهن يسهرن الليالي الأخيرة من رمضان للمهمة نفسها.
أما النعلچية (مصلّحو الأحذية) والقندرچية (بائعو الأحذية) والأُوتچية (العاملون في كوي الثياب) فهم في شغل شاغل بأداء الأعمال المتعلقة بهم، وذلك استعداداً ليوم العيد، والبزّازون فإن حوانيتهم قد جُهزت بأحدث الأقمشة الجديدة ذات الأشكال والألوان البراقة، وترى الناس مزدحمين في حوانيت سوق التجار الكبير وسوق العرب، وتكاد تكون أعمالهم منحصرة في أماسي رمضان بعكس النهار، حيث تكون الأعمال شبه معطلة كما ألمحنا إلى ذلك.
أما الحمّامات فإنها تبقى مفتوحة طيلة شهر رمضان ليلاً، وتزدحم ازدحاماً شديداً ليلة العيد، حيث ترى الناس قد جلسوا على مقاعد أو تُخوت الحمّام ينتظرون دَورهم بغسل أجسامهم ودلكها وإزالة ما علق بها من الأوساخ. وقد يضطر صاحب الحمام أن يجعل درجة غليان الماء عالية بحيث لا يطاق جو الحمام من شدة الحر، مما يسبب خروج الناس والاستحمام بسرعة، حتّى يفسحوا المجال لغيرهم، هذا إذا كان الوقت شتاءً، أما في الصيف فيلجأ الناس إلى الأنهار أو الغسل في البيوت.

* * *
وكانت أُخريات رمضان تمتاز بهديل رومانتيكي عذب تتخلله رقّة وعذوبة، ويستهله بمناجاة حلوة وهي صوت المؤذن وقت الغروب أو في السحور (الوداع.. الوداع.. يا شهر رمضان، الوداع يا شهر الطاعة والغفران.. إلخ). وعندما تجنح الشمس للأُفول وهي تودع رمضان المبارك يصعد الناس على سطوح المنازل والمرتفعات العالية لرؤية هلال شوال، وما أن لاح لهم بزوغه حتّى دوى في السماء إطلاق الرصاص، معلنين الفرحة والبهجة بالعيد السعيد، داعين الله أن يعيده عليهم كل عام بالخير والبركات.
وفي ليلة العيد يُعقد احتفال شعبي ضخم في الساحة الأمامية لباب قبلة عتبة أبي الفضل العباس عليه السّلام، يُلقي فيه الشاعر الشعبي المعروف عبدالأمير الترجمان وينشد (البَسْتات) والأهازيج الدينية والقومية بصوت شجيّ يخلب الآذان.

* * *
وفي صباح اليوم الأول من العيد السعيد، يؤدي الناس صلاة العيد مع بزوغ الشمس في الصحنين المقدسين أو في الجوامع والمساجد. ومن ثَمّ يؤدون زيارة الإمام الحسين والعباس، ثمّ يزورون أقرباءهم وأصدقاءهم وهم لا يغادرون تلك المجالس حتّى (يتعايدوا) مع بعضهم، ولا ننسى أن في أيّام العيد تجري المصالحات بين الأصدقاء المختصمين (الزعلانين). وفي اليوم الأول أيضاً يزور الرجل وزوجته وأطفاله بيت والده ووالدته لقضاء نهار بينهم. وكان الطبال والياور (المنظف) يتسلم (العيدية) من أصحاب الدور. وفي اليوم الثاني يذهب الرجل وزوجته وأطفاله إلى بيت أهل زوجته للغاية ذاتها، والقصد من ذلك توطيد عرى المحبّة والعلاقات الودية. ولابد من الاشارة إلى وجود عادة لا تزال جارية عند العشائر العربية بكربلاء، وهي طبخ الطعام ونحر الذبائح تكريماً ليوم العيد. وحين يزورهم الأفراد يتناولون طعام الغداء حتّى وإن كانت لقمة واحدة من كل بيت يمر عليه. أما الشباب والأطفال فإنهم يتجهون إلى الساحات العامة حيث المتنزهات والحدائق العامة ودواليب الهواء (الأراجيح) وركوب الحمير وركوب العربات وغيرها من وسائل اللهو والتسلية، فيقضون أوقاتاً سعيدة.
وفي اليوم الثاني من العيد أيضاً ينطلق معظم القرويين من ضواحي المدينة وبساتينها زُرافاتٍ ووحداناً مبكّرين بملابسهم الشعبية والحناء تضمخ أكفّهم وأرجلهم، وهم يأتون إلى المدينة مشياً على الأقدام أو على ظهور الخيل بالنسبة للقرى المجاورة، أما إذا كانوا من قرى بعيدة فيأتونها بالعربات والسيارات في الوقت الحاضر. وكانت ساحة المخيم قديماً مقرهم، يشهد الناس مهرجاناً شعبياً رائعاً، وتبقى المسرات والأفراح مستمرة لثلاثة أيّام. ولا يفوت القارئ ان كثيراً من الناس يؤجلون زواجهم في شهر رمضان لانشغالهم بتأدية طقوس هذا الشهر المبارك.
هكذا كان رمضان في كربلاء له نكهة خاصّة قلّما نجدها في منطقة أخرى من مناطق العراق، ولعلّ للعتبات المقدّسة في إبراز تلك الطقوس بالكيفيّة التي ذكرتها آنفاً.

عن: كربلاء في الذاكرة ص 254 ـ 270



التوقيع
خادمة الشهيد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 12-26-2010, 08:27 PM   #2

شروق

خادم الصديقة فاطمة الزهراء(ع)
 
الصورة الرمزية شروق
 





افتراضي

بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

يسلمووو الايادي

دمتم بحفظ الرحمن



التوقيع
شروق غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:20 AM.


 free counters

مجموعات Google
اشتراك في شبكة خدام الحسين عليه السلام
البريد الإلكتروني:

زيارة هذه المجموعة

البنر من موقع الشيرازي نت مشكورين على جهودهم الجباره

 W   W   W   .   5   D   A   M   A   L   7   U   S  S   I   N   .   O   R   G

while(shimmercount>0) { var shimmerstring=shimmercount+ 'shine'; eval('var colcon= shimmercolor' +shimmercount); eval('var shimspeed="shimmerspeed' +shimmercount+ '"'); eval('var shimcolor="' +colcon+ '"'); shine(shimmerstring, shimcolor, shimspeed); var shimmercount=shimmercount-1; }; while(glitcount>0) { var glitstring=glitcount+ 'glitter'; eval('var colcon= glitcolor' +glitcount); eval('var glitspeed="glitspeed' +glitcount+ '"'); eval('var glitcolor="' +colcon+ '"'); glitter(glitstring, glitcolor, glitspeed); var glitcount=glitcount-1; }; while(rainbowcount>0) { eval('var rain'+rainbowcount+'=document.getElementById("rain'+rainbowcount+'");'); eval('var rainbowspanning'+rainbowcount+'=new RainbowSpan(rain'+rainbowcount+', 0, 360, 255, 50, 348);'); eval('rainbowspanning'+rainbowcount+'.timer=window.setInterval("rainbowspanning'+rainbowcount+'.moveRainbow()", 50);'); var rainbowcount=(rainbowcount-1); };